وكالة المرصدنيوز للإعلام المستقل: الشعر الصافي لايحتاج جواز سفر الشعر الصافي لايحتاج جواز سفر ================================================================================ أبراهيم خليل الدجيلي on 13/ 10/ 2008 *د. راشد عيسى شرنقة الحمى مجموعة شعرية للشاعرة خالدة خليل التي تقدم ابداعها على استحياء وزهد . اعترف انني قلما اوقعني شعر المرأة في الدهشة ولذة الذهول ولاتحمل ذائقتي سوى اصداء نحيلة لكوكبة من الشاعرات من عصور مختلفة غير ان العشرين عاما الاخيرة تبشّر بقلادة من الشاعرات اللاتي يجتهدن في تقديم امتياز شعري لافت للانتباه . احدى خرزات هذه القلادة خالدة خليل التي تزاحم بضراوة فنية على التميز . في ديوانها هذا ماء شعري ساخن حد الفوران ، يحرج الذائقة البليدة وينعش الرؤية الجمالية المعاصرة . ومع انني انتمي بكل جوارحي وحواسي الى الايقاع الشعري والانفعال الموسيقي الا انني ابتهجت بما ورد في هذه المجموعة من قصائد نثر .فلطالما رددت ان اشكالية قصيدة النثر ليس في مسماها وانما في ندرة الجيد المتميز فيها ، ولن تستطيع قصيدة النثر ان تأخذ شرعيتها العمومية الا اذا حققت هذا الشرط ، وهو لايتأتى الا الى المختلفين والمختلفات جدا من الشعراء والشاعرات . وفي مااحسب ان خالدة خليل في هذه المجموعة تحقق قسطا كبيرا من فتنة اللغة ووحشية الصورة في سياقات تنهل حراراتها الفنية من رؤى مسننة بالانفعال الوجودي الحاد ومدببة بحواف جارحة من العذوبة ، فتخترق المأنوس وتصعد مراقي الفضاء الجمالي من غير تواطؤ مع السائد او استنادا الى ذاكرة شعرية ذابلة مألوفة . فهي تخلخل التركيب اللغوي النمطي لتبني مداميكها بفطرية تعبيرية رائقة ذات مذاق جواني ازرق . في مراة صدئة تتشظى ايامها ومن على شرفة خطيئة عارية ينتحر شاهد الضمير . فهي حينا تسافر في شطان الذاكرة تجرف من سواحل مرحها قواقع نسيان معتق وتغمس في مكحلة الزمن ابرة عشق لاينطفئ ، وحينا اخر تصرخ في براري الصمت : من نار ومن نار امراة انا ابخر الحاني القدسية ارفعها سحابا انتزع من السماء صرخة شمس ملغومة . وعلى تعدد الثيمات في نصوصها الا ان مراثيها تجاه اشكالية الزمن من اشد الرؤى انزياحا نحو فلسفة الوقت والثورة عليه وتعبئته في قارورة ومن ثم رميه في اقرب سلة مهملات . ايها الزمن انلعب جلادا وضحية ؟ ام ادوارا واقنعة ؟ ام جاسوسا ومشنقة ؟ حتى ان السماء تمد يدا تعصر بها الوقت كلما مزقت الكلمات شرانق سياقاتي البريئة وهرب المعنى من زنزانته الانفرادية . ثمة نفثات بركانية مشبعة باحاسيس الاغتراب في وطن صار طوفان حرائق على صدر بغداد ، وثمة حزن جليل يكابده النخيل وتصارعه امرأة متوهجة بالالم : على سجادة صمت في ارض الطوفان والحرائق تركع احلامي فيما يزرع الحزن اناشيده مثل جوقة لاتعرف الملل . وقد رسمت الشاعرة الملل في خرائط تعبيرية متعددة ، يصلح اغلبها حكما شعرية مأثورة : ان تكون يعني ان تكون اكثر حذرا لئلا ينضو الملل ثيابه المهترئة ونجد بين المقطع والاخر صورا شعرية مركبة باهظة كقولها : ونساء يعلقن شهواتهن اقراطا في اذني الريح . اما الجسد فقد وفر نصيبه من الحضور في المجموعة ، ولكن الشاعرة تناولته بجسارة بليغة ولغة ممسوسة بالايماء الماكر : هناك في مدن الجسد هناك الى عتباته المقدسة ادخل بقدمين عاريين ووردة بيضاء وراية حمراء مضرجة بالتحريم . نص خالدة خليل رنين شعري يوثق صلة الذات بوجدان وجودها في صورة تصبح فيها المفردات كرات نارية تحاول حرق الماء الذي تكون فيه . ولعل اهم مزايا شرنقة الحمى هو هذا الاقتصاد اللغوي الذكي ، ومغامرات الانزياح الدلالي والاسنادي والتركيبي وسائر اشكال المفارقة والانحرافات الكنائية . عند تخومك ياحرية تحط راحلة الكلمات وقولها وانت ياقلب فك ازرارك كي احصي عدد رصاصات الغدر كي اسدد الفواتير اذ لم تعد تكفيني مصارف الحزن . تجسد خالدة خليل في نصوصها قضية علاقة المبدعة بواقعها المأزوم المخنوق بالملل والضجر والصبر المؤلم : تكثف على زجاج نافذتي واكتبني قصيدة لما تزل تنتظر رذ ا ذ م ط ر . تأسيسا على ذلك، فان الشعر الصافي لايحتاج جواز سفر وتأشيرات مرور واحكاما نقدية متكلسة لانه يتجاوز بلذعه الجميل كل مركون اليه من المعايير الفنية التي تؤطر ماهيته وترسم حدوده . كل ماتحتاجه الذائقة الشعرية الجديدة هو تراكم نوعي جاد من الشعر المدفوق بالرؤيا الباذخة والصورة الفنية الغريبة والتجاوز اللغوي الواعي لجوهر الحدس التعبيري ، عند ذلك يمكن ان يتوافر في النص الشعري الجديد مايؤهله للديمومة والفعالية الفنية والجمالية المنشودة على نحو شرنقة الحمى عند خالدة خليل . *شاعر واكاديمي اردني