"يا ربّ، لا تجعلْني أتّهمُ مَن يُخالفُني الرّأيَ بالخيانةِ"
الكتابةُ طائرٌ خرافيٌّ تُشكّلُهُ فوضويّةُ الواقعِ، يُمارسُ طقوسَهُ الغريبةَ، يسبحُ ويغوصُ في لججِ الخيالِ، لينتزعَ مِن أعماقِهِ محاراتِ آمالٍ، يُحلّقُ بها إلى سمواتِ الحلمِ، فيزرعُها نجومًا وضّاءةً في عتمِ ظروفٍ كالحةٍ، مغموسةٍ بأرَقِ الهمِّ الفرديِّ والجماعيِّ.
الكتابةُ ألبومٌ كبيرٌ للوحاتٍ مرسومةٍ بالكلماتِ، تشهدُ على بيئتِها وعصرِها وحضارتِها وثقافتِها، تحملُ بثيماتِها وتصوّراتِها وآمالِها اللاّمتناهيةِ رسالةً ساميةً ومؤثِّرةً وإيجابيّةً، تتركُ بصماتِها محفورةً على جباهِ المقاماتِ، بَعْدَ انتشالِها من حُفَرِ الرّمالِ المتحرّكةِ المردومةِ بقشٍّ مفخّخٍ، فتجوبُ بها آفاقًا لِتَحُطَّ في نفسِ المتلقّي وتهزّهُ وتُذهلُهُ، حينَ تُناغمُ أوتارَ قلبِهِ وإيقاعَ عقلِهِ.
أن تكونَ رهينًا في بلدِكَ ومحاصَرًا في أرضِكِ، لكنّكَ حرٌّ طليقٌ بفكرِكَ، تقضمُكَ الغربةُ، وتؤطّرُكَ في صناديقِ الاتّهامِ السّوداءِ، تخضعُ لدينونةِ العدوِّ المحتلِّ من ناحيةٍ، ولرفضِهِ لكَ بشتّى وسائِلِهِ وبأبعادِها من أجل تهجيرِكَ، ومحاربتِهِ إيّاكَ بتجزئتِكَ وشرذمتِكَ بمسمّياتٍ تتعدّدُ، وطمْسِ معالمِكَ العربيّةِ الموحِّدةِ لكلِّ الفئاتِ، ومِن ناحيةٍ أخرى تواجهُ دينونةَ أخيكَ العربيِّ، واتّهامَهكَ بالتّخلّي عن ملامحِكَ وهويّتِكَ الفلسطينيّةِ، طالما أنّكَ أُرغِمْتَ على حَمْلِ جوازٍ إسرائيليٍّ، الّذي يُرضخُكَ للقوانينِ والشّروطِ الإسرائيليّةِ والمواطنةِ الجزئيّةِ كعربيٍّ في دولةٍ يهوديّة.
أن أكونَ كاتبًا ينبغي أن أتماهى مع الهمّ العامّ والخاصّ، لأثبتَ أنّي أحملُ جوازًا وهويّةً إسرائيليّةً رغمًا عنّي، وأنّ هذا الأمرَ لا يُلغي البتّةَ انتمائيَ الشّديدَ إلى جذوري وحضارتي الفلسطينيّةِ الرّاسخةِ رغمَ كلِّ الجفافِ والتّجفيفِ، ومحاولاتِ التّخنيقِ والتّقديدِ والتّحجيمِ، واستخدامِ لغةِ التّهجيرِ بشتّى لهجاتِها الملغومةِ، ففي أيّة محكمةٍ عادلةٍ يثبتُ عنادي وصمودي وإصراري في صراعي المرير، أنّي بريءٌ من دمِ هذا التّاريخ المفخّخِ؟ ما هي البراهينُ والدّلائلُ من أجلِ تثبيتِ حقّي الشّرعيِّ والإنسانيِّ؟ ولماذا أظلُّ أنا الفلسطينيُّ ملزَمًا ومتأهّبًا للدّفاعِ عنّي؟
هوَسٌ لا يَخبو يؤرّقُني على مدى الصّحوةِ، هل تنجحُ أجيالُنا القادمةُ في متابعةِ مشوارِ الهمِّ العامِّ؟ أم أنّ الهمَّ الخاصَّ قد يقودُها إلى مقولةِ "أسألُكَ يا ربُّ نفسي"، فتخضع للتّهجيرِ أو التّذويب؟ وكيف يمكننا تفادي هذهِ الهواجسِ المرعبةِ والتّصدّي لها؟
أسئلةٌ قائمةٌ تتأرجحُ ما بينَ زوايا حادّةٍ ومنفرجةٍ، ممزوجةٌ بفكرٍ وأحاسيسَ متألّمةٍ وفلسفةٍ متأمّلةٍ بالخلاصِ والفرجِ، نسكبُها بقوالبَ إبداعيّةٍ وتصنيفاتٍ أدبيّةٍ متعدّدةٍ، توصلُ عصافيرَ النّفسِ الضّالةَ إلى أعشاشِها الآمنةِ مؤقّتًا، والّتي ترقى أعماقَ الكونِ الكثيفةِ بتفاصيلِهِ المتناقضةِ وخيوطِهِ المتشابكةِ، وفَكِّها ونَسْجِها، وسَبْكِها في أُطرٍ فنّيّةٍ صاخبةٍ صامتةٍ، ناطقةٍ خرساءَ، لكنّها أبدًا ليستْ بعمياءَ فاقدةً اتّجاهاتِها، فهي هادفةٌ وليستْ عبثيّةً.
اليومَ علا الصّوتُ وقويَ صداهُ، تخطّى الحدودَ المفروضةَ بفضلِ النّتّ، فصارَ مُتنفّسًا حقيقيًّا فكريًّا وأدبيًّا واجتماعيًّا، إن لم يكنْ حضورًا بالجسدِ، يوصلُ الرّسائلَ للخارجِ القريبِ البعيدِ، وتبادل وجهاتِ النّظر وتفهّمها لظروفٍ تلاصقُ الوجعَ.
- وزارة الهجرة والمهجرين تقوم بتوزيع منحة رئيس الوزراء نوري المالكي
- الرجل الأمريكي الحامل يضع أنثى وحالتهما طيبة
- اليوم.. التعليم العالي تعلن نتائج القبول المركزي
- محافظة بغداد تحذر أصحاب المولدات من عدم الالتزام بضوابط التشغيل وتخصص الرقم 5380231 لاستقبال شكاوى المواطنين
- من نحن في المرصدنيوز؟



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك