هل يتحول اليمن إلى عراق آخر؟
صادق حسين الركابي
يبدو أن الحكومة اليمنية لم تعد قادرة على كبح جماح تنظيم القاعدة الذي بات يجد في اراضيها مرتعا ً ينطلق منه لينفذ عملياته ضد المصالح الحكومية اليمنية و الغربية على حد سواء. و في الوقت الذي تعرضت فيه القاعدة إلى هزائم كبيرة في العراق بقتل و اعتقال عدد كبير من قيادييها كأبي عمر البغدادي و أبو أيوب المصري إلا أن تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب (و هو الاسم لتحالف كل من تنظيمي القاعدة في كل من السعودية و اليمن) بدأ يأخذ منحى آخر. فالهجمات المتكررة ضد السياح الأجانب و السفارات الغربية و التي كان آخرها المحاولة الانتحارية الفاشلة التي استهدفت موكب السفير البريطاني في اليمن تشير إلى أن حجم هذا التنظيم بدأ يكبر يوما ً بعد الآخر.
و ما يثير التساؤل هو قدرة هذا التنظيم على الوصول إلى أهدافه و نجاحه في رصد حركات الدبلوماسيين الغربيين و هو الأمر الذي يوحي بأن هذا التنظيم قد تمكن مؤخرا ً من اختراق أجهزة الأمن اليمنية بنجاح.
و يخطط هذا التنظيم إلى توسيع عملياته و اعتماد اليمن كقاعدة للانطلاق منها إلى دول العالم الأخرى . فالعملية الأخيرة للنيجري (عمر الفاروق عبد المطلب) الذي تدرب في اليمن و التي استهدفت تفجير الطائرة الامريكية المتجهة إلى ديترويت ليلة عيد الميلاد و التدريبات التي يتلقاها هؤلاء الانتحاريون في اليمن اثارت العديد من التساؤلات حول القدرات التي يتمتع بها هذا التنظيم في اليمن.
و يبدو أن الحكومة اليمينة لم تعد قادرة على مواجهة كم التحديات التي تعصف بالبلاد داخليا ً فالحوثيون في الشمال ليسوا بالخصم السهل. و لم تنجح الضربات العسكرية المشتركة لكل من الجيشين اليمني و السعودي في تحقيق أي إنجاز عسكري على الأرض. في حين تستمر الاحتجاجات من قبل الجنوبيين المطالبين بالانفصال عن الشمال الذي يستأثر بكل المميزات الاقتصادية و الاجتماعية حسب قولهم. و يعاني اليمن من ارتفاع معدلات البطالة و انعدام الأمن الغذائي و تدهور مستوى التعليم و تردي الخدمات في الكثير من المناطق. فيما تقف الحكومة عاجزة عن مجابهة هذا الكم الهائل من المشاكل التي تغذيها التحالفات القبلية القوية و امتلاك معظم هذه القبائل للسلاح و المال ناهيك عن الانتماء القبلي للعديد من أفراد الجيش اليمني في حين يأتي الولاء للجيش ثانيا ً.
و أمام هذه التحديات التي تعانيها حكومة صنعاء يجد تنظيم القاعدة الفرصة سانحة للنمو و التغلغل في أجهزة الدولة التي تعاني أجهزتها من ظاهرة الفساد المالي و الإداري. و يستغل تنظيم القاعدة هذه المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية للترويج لسلطته التي تمثل حسب وجهة نظر دعاته المنتشرين في ارجاء اليمن حلا ً لكثير من المشكلات التي في مقدمتها التخلص من سلطة الدولة الفاسدة على حد زعمهم.
و يجد الشباب اليمني العاطل عن العمل الطريق مسدودة في الكثير من الدوائر الحكومية و المؤسسات التعليمية الفقيرة الغير قادرة على استيعابهم . لذلك يتوجه هؤلاء إلى بيئة القاعدة التي توفر المال لهم و لعوائلهم.
و على الرغم من المساعدات المقدمة من قبل الامم المتحدة و الولايات المتحدة الأمريكية إلى الحكومة اليمنية إلا أن حجم هذه المشكلات بالإضافة إلى انعدام المساحة الديمقراطية في البلاد يعيقان اي تقدم يذكر سواء أكان ذلك على الصعيد الأمني أو الاجتماعي و حتى الاقتصادي. و بحسب دراسات اقتصادية محلية وعربية فإن نسبة البطالة في اليمن تتجاوز 48 % ، في حين تقول الحكومة إنها لا تتجاوز 11 % فقط. و ترتفع معدلات البطالة خصوصا ً عند فئة الشباب الذين هم في سن أقل من 25 سنة لتصل إلى قرابة 22 % عند فئة الذكور و ترتفع النسبة إلى أكثر من 35 % لدى الإناث. و لعل هذا ما يفسر استخدام تنظيم القاعدة لفتية صغار لا تتجاوز أعمارهم 18 عاما ً للقيام بأعمال قتل سياح أو تفجيرات انتحارية. كتلك التي قام بها الفتيان عبد الرحمن مهدي، وشامل الصنعاني في حضرموت. حيث فجر كل منهما حزامه الناسف في عمليتين قتاليتين راح ضحيتها سياح ومحققون كوريون جنوبيون.
و في الوقت الذي تحاول فيه الدول الخليجية مساعدة الشباب اليمني على الخروج من مأزق البطالة من خلال إعطائهم الأولوية في التوظيف و على الرغم من تدفق العديد من الشركات السعودية على السوق اليمنية لمساعدة الدولة للخروج من مأزقها الاقتصادي إلى أن الأمر يتطلب وقتا ً طويلا ً قبل أن يكون هناك نتائج ملموسة بالنسبة للمواطن اليمني الذي يأن تحت وطأة ارتفاع الاسعار و انخفاض معدلات الأجور.
و بحسب تقارير حكومية يمنية فإن معدل الفقر في البلاد يبلغ قرابة 33 % في العام 2010 في حين تشير تقارير صندوق النقد الدولي إلى أن معدل الفقر في اليمن يرتفع ليصل إلى أكثر من 45 % من اليمنيين الذين يعيشون على أقل من دولار أمريكي واحد يوميا ً.
و في الوقت الذي تتطلع فيه الحكومة اليمنية إلى المزيد من المساعدات الدولية عموما ً و الخليجية على وجه الخصوص إلا أن دول الخليج ترغب في المزيد من السيطرة الحكومية اليمنية على حدودها و بخاصة الشمالية المتعلقة بالحوثيين و تنظيمات القاعدة التي تجد في اليمن مركزا ً خصبا ً للتجنيد و التدريب و الانطلاق في عملياتها. و قد قامت المملكة العربية السعودية بتمويل مشاريع في اليمن بقيمة 642 مليون دولار في حين تعهدت بزيادة هذه القيمة بمشاريع بقيمة 144 مليون دولار منها خمسون مليون دولار في مشاريع الطاقة.
و تبرز مشكلة الزيادة الكبيرة في النمو السكاني التي تعاني منها اليمن كمشكلة أخرى تعيق خطط الحكومة في السيطرة على الأوضاع الأمنية و الاقتصادية المتردية . فعدد السكان في اليمن يبلغ بحسب آخر الإحصائيات 24 مليون نسمة و هو ما يعادل عدد مواطني مجلس دول التعاون الخليجي مجتمعة. و هو الامر الذي يقلق هذه الدول التي ما تزال رافضة لانضمام اليمن إلى رابطة دول مجلس التعاون الخليجي و ذلك لاتساع الفارق الاقتصادي بين اليمنيين من جهة و نظرائهم من الخليجيين من جهة أخرى و التحديات الأمنية الكبيرة التي تعصف بوحدة اليمن و استقراره.
و لا يخفى على احد التقاليد اليمنية المحافظة و التي تمتد إلى معظم شرائح المجتمع اليمني و التي استغلت من قبل العديد من قيادات تنظيم القاعدة هناك. أضف إلى ذلك موقع اليمن على الخارطة الجغرافية فهو قريب جدا ً من السودان و الصومال اي أنه مفتاح الوصول إلى أفريقية التي كان للقاعدة تواجد كبير فيها كمعسكرات التدريب في الصومال و مالي و السودان و موريتانيا و غيرها من الدول. و تشير التقارير إلى أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب يعمل على تجنيد عدد من الشباب من أصول أفريقية للقيام بعمليات انتحارية في اليمن و عدد من دول الخليج و الشرق الأوسط و ذلك ضد مصالح حكومية محلية أو اجنبية خارجية. لذلك فإن اليمن تجد في حماية حدودها البحرية الجنوبية عبئا ً إضافيا ً يهدد استقرارها و استمراريتها.
و تستشعر العديد من دول العالم الخطورة التي تشكلها هذه المنطقة بالتحديد على السلم و الأمن العالميين لا سيما بعد عمليات القرصنة التي انطلقت من الصومال و التقارير بتمويل القراصنة هناك لتنظيم القاعدة.
و تتركز قوة تنظيم القاعدة في اليمن في كل من محافظتي مأرب و حضرموت المعروفتان بالبيئة الجبلية الصعبة و قوة القبائل فيها و سطوتها على المجتمع. ففي محافظة مأرب وحدها يوجد أكثر من أربع قبائل قوية تتشعب إلى أكثر من سبعين عشيرة يؤمن معظمها بمبداً إغاثة الملهوف و نصرته و هي في غالبيتها قبائل متشددة دينيا ً .
من هنا تمكن تنظيم القاعدة من توجيه عدد من الضربات لمنشآت نفطية و استهداف عدد من الوفود السياحية كعملية قتل ثمانية سياح إسبان في تموز من العام 2007 و قتل سائحتين بلجيكيتين و سائقهما في منطقة وادي حضرموت في كانون اثاني من العام 2008.
و لا يجب إغفال الأصول اليمينية لزعيم تنظيم القاعدة اسامة بن لادن الذي اعتبر اليمن في أكثر من مناسبة قاعدة لانطلاق المجاهدين و هو الأمر الذي حصل مع زعيم تنظيم القاعدة في العراق أبو حمزة المهاجر. ففي عام 2007 طلب المهاجر من زعيم القاعدة في اليمن ناصر الوحيشي (أبو بصير) إمداده بالمزيد من المقاتلين فوافقه هذا الاخير على طلبه.
إذا ً فالقاعدة تعول على اليمن بشكل رئيسي لانطلاق عملياتها خاصة بعد الفشل الكبير الذي لحق بها في العراق و تقلص نفوذها و استسلام عدد من قياداتها. و قد لوحظ إقبال العديد من فئات الشعب اليمني على شراء المحاضرات الدينية لبعض الخطباء الإسلاميين ذوي اللغة المتشددة . فبحسب بعض الدراسات فإن موضوعات هذه الخطب يدور حول مواضيع متنوعة حظيت الجوانب الدينية فيها على نسبة 27%، والسياسة الداخلية والخارجية بنسبة 15.7% . أما القضايا التي تهتم بالشأن الداخلي اليمني و قضايا التتنمية فقد حصلت على نسبة 9.2%، والقضايا الاجتماعية بنسبة 4.7%، في حين حصلت المواضيع التي تتناول المرأة والتربية وغيرها على نسب اقل من ذلك بكثير.
و في الوقت الذي ترتفع فيه معدلات البطالة في اليمن لتصل إلى أكثر من 48 % فإن تنظيم القاعدة هناك يطرح نفسه كبديل عن الدولة في حل الكثير من النزاعات القبلية و التقرب من هذه القبائل من خلال المشاركة في مشاكلهم و أحزانهم و أفراحهم . و تحاول الحكومة اليمينة توعية هذه القبائل بحملات تسمى حملات المناصحة و باستقدام شيوخ من جامعة الأزهر بمصر للقيام بهذه المهمة.
و يرى بعض المهتمين بشؤون القاعدة إلى أن هذا التنظيم يحاول أن يكون أكثر مرونة في استراتيجياته المتبعة مؤخرا ً و التي تقوم على اعتماد أكثر من مركز للتحضير و القيام بهذه العمليات. في حين يخالف البعض الآخر هذا الرأي معتمدين على نظرية اليمن بدلا ً من العراق . فالحكومة اليمينة الضعيفة و ضعف القاعدة الشعبية للقاعدة في العراق أعاد اليمن مرة أخرى إلى الصدارة كمركز جديد لرجالات هذا التنظيم.
و سواء تم اعتماد إحدى هاتين النظريتيتن أم رفضهما فإن تنظيم القاعدة يعتمد على سياسة النمو في الفوضى. و هذا ما بدا واضحا ً في أكثر من مكان فحيث تضعف الحكومات و ينتشر الفقر و الجهل تجد القاعدة بيئة مناسبة للتكاثر و القيام بعملياتها. و يبقى الأمر منوطا ً بقدرة الشعوب على النهوض بواقعها بعيدا ً عن الانجرار وراء من يستخدمون الدين لغاياتهم في مجتمعات لطالما بقيت ترى في القيادات الدينية و القبلية بديلا ً عن حكوماتها.
المرصدنيوز
لا تتحمل أيّة مسؤوليّة عن المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم وآرائهم وآفكارهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر .
- وزارة الهجرة والمهجرين تقوم بتوزيع منحة رئيس الوزراء نوري المالكي
- الرجل الأمريكي الحامل يضع أنثى وحالتهما طيبة
- اليوم.. التعليم العالي تعلن نتائج القبول المركزي
- محافظة بغداد تحذر أصحاب المولدات من عدم الالتزام بضوابط التشغيل وتخصص الرقم 5380231 لاستقبال شكاوى المواطنين
- من نحن في المرصدنيوز؟



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك