وكالة المرصدنيوز للإعلام المستقل: قصتــــــان... وما خفي أعظم قصتــــــان... وما خفي أعظم ================================================================================ أبراهيم خليل الدجيلي on 15/ 1/ 2010 بقلم ::: شمـــــــس الأصيـــــــــل قبل فترة وجيزة كنت قد نشرت مقالاً تحت عنوان(أذهب إلى سوق الشورجة خير لك) وأقصد خير لك من شارع المتنبي ... نبهت فيه إلى واقع المثقف العراقي من خلال سرد مجريات قصة حدثت معي وكذلك إلى واقع الثقافة في وسط هذا الكم الهائل من التناقضات في الشارع العراقي ، وجه لي بعض الكتاب المترفين اللوم حول ما كتبت بل وصل بأحدهم الحد إلى تنبيهي بمعلومة هي لو أن الوزير كان قد قرأ المقال وطلب مقابلة كاتبها فماذا سيكون الجواب؟؟؟ ،زاعما أنه كل المثقفين في العراق هم بمستوى معاشي جيد والثقافة العراقية بخير ، وأنه لا يوجد إلا قلة من المثقفين المتقاعسين الذين لم يحصلوا على قوت يومهم ويعيشون بمستوى سيء، الحقيقة لقد أحرجوني لأني سمعت الكثير من القصص ورأيت من المواقف أكثر لكني لم أسجل أسماء ولم التقط صور ، ففكرت جديا فيما لو طلب مني بيان سبب كتابة المقال واتهام بعض الأطراف بتعمد إهمال المثقف العراقي، وبعد حيرتي الطويلة رزقني الله بقصتين هما العجب بعينه بل ستبكي على ما سوف تقرأ حتى تجف دموعك إن كنت ممن لم يزل في وجدانهم ضمير ينبض، وحتى ينزف عراقك من بين عروقك، ليكون القارئ على علم بما سأسرد من واقع صعب حد الذهول ولكي أحمل مسؤولية هذان المثقفان إلى من هم على رأس الهرم الثقافي والعلمي والى من يصدحون ليل نهار باسم الحرية والديمقراطية وأهمية الثقافة والحضارة لكل أمة وشعب ، الحالة الأولى هي أني كنت جالسا مع صاحب مكتبة كبيرة في منطقة الباب الشرقي ، وكنا نتكلم حول واقع الثقافة الصعب وكيف أن الكتاب أهمل وكيف أن العراق كان يطبع الكتب في لبنان لتقرأ ، وحدثني الرجل عن الخمسينات وعن العقود اللاحقة وأنواع الزبائن واختلاف أسواق الكتب من زمن إلى آخر ، كلانا كان يتألم لأننا ندرك أهمية الاطلاع وأهمية أن يكون الإنسان متنورا على الثقافات الأخرى وأن يكون واسع المعرفة لكي نبني وطن حقيقي وثقافة حقيقة ، دخل رجل ستيني أنيق جدا يرتدي نظارات رقيقة وعينان تقطر كلمات ورأساً منحني ينزف علماً ومعرفة، جلس الرجل وأحسست أن عيناه تقول لي متى ترحل من هنا ...لدي شيء أقوله لصاحب المكتبة لا أريدك أيها الشاب أن تسمعه خوفي أن تكون من الذين لا يحترمون العلم وأهله وتضحك في أعماقك علي ، بعدما قرأت ما قالته عيناه لي ، تجولت داخل المكتبة ، فلاحظت أن صاحب المكتبة قام من مكانه بعد حوار جرىء بينه وبين الرجل وجلب عدد من الكتب من نفس النوع ذات الطباعة الرديئة ,الرخيصة الثمن والثمينة المضمون ، أعطى للعجوز المثقف خمسة أعداد ، بعدها أعطاه مبلغ من المال أحسست ان هناك ابتسامة خافيه غطت معالم الرجل العجوز ونشوة متأخرة كثيراً لأن العمر قد سرق منه كل شيء، بعدها غادر الرجل العجوز وفي محفظته العجوزة اعدادا من الكتب اياها ، عدت إلى مكاني وعدنا لحديثنا الذي كنا عليه ، لكني لمحت دمعتان في عيني صاحب المكتبة تريد أن تنطقان أو تبوحان بسر عظيم ، يبدوا أن صاحب المكتبة أحس أني ممن يتقنون لغة المشاعر وأني متحمس للثقافة ولتأريخ العراق الثقافي ، قال لي وعيناه تتحدثان قبل لسانه ، هذا الرجل العجوز هو من (الحزب الشيوعي العراقي ) ، قلت حدثني ما قصته؟؟ فإني شعرت خلف تجاعيد وجهه الحزين الطموح الكثير من الأسرار ، كرر الرجل و قال هذا الرجل من (كوادر الحزب الشيوعي) وهو الآن لا يقوى على العمل ولكنه لم يتأخر يوم عن عمله من أجل الثقافة والعلم ، يؤلف الكتب ويختص في التأريخ ويطبع له صاحب مطبعة قديمة صديق له ، الطباعة رديئة ولا أحد يشتري كتبه ولكني لم أجد وسيلة إلا أن أخفي الإعداد التي يأتي بها إلي لكي أبيعها وأعطيه ثمنها لتسد ولو جزء بسيط من حاجته ، أو أأخذها معي للبيت ، وعندما يأتي أكذب عليه بانها بيعت كلها واطلب منه أن يزودني بالمزيد منها ولكني في الحقيقة أعطيه ثمنها من جيبي وإن كنت لست مالك للمكتبة ولكني أديرها منذ عشرون عام ، فما كان مني بعد أن تمالكت دمعتي وصمت طويلاً إلى الحد الذي أثار استغراب الرجل ، قلت له منذ متى وأنتما على هذا الحال قال منذ سنوات ، قلت له شكرا ً للوطن الذي أنجب مثلك ، وأشك فيمن يملكون ولا ينصفون هذه الطبقة التي تعيش في ظروف قاهرة رغم ثراء الوطن ..أشك بأنهم أبناء نفس الوطن ، لأن الرجل تصرف بشرف كبير ، قلت له أحتفظ لي من كل مؤلف يأتي فيه بمجموعة أدفع ثمنها نهاية الشهر ، ولم تمر سوى أيام قلائل حتى وجدت نفسي في قصة أخرى تجري منها أنهاراً من الأهــآت ، بطل القصه فنان شاب يقطر فناً وإحساساً وحباً لوطنه ، سمعت له أغنية مع زميلته في الجامعة غاية في الروعة والجمال وهي تتغنى بحب العراق وسوف تظهر على شاشات القنوات الفضائية قريبا فقد شملتهم رعاية منظمة قدست فنهم على الرغم من أن هذه المنظمة هي في بلاد الغربة ، تتغنى بحب وطنه مع أنه لا يملك منه سوى راتب شهري من روضة أهلية يلقن الأطفال فيها دروس الموسيقى والأناشيد الجميلة ، لا يتجاوز ألـ (10000) ألف دينار عراقي, زاد فضولي حول مفردات حياة هذا الشاب فهو متهالك حزناً وألما وعتبه على الواقع في كل كلمة يقولها مع أنه شاب حيوي طموح في فنه وفي أصالة ما يقدمه ويفتخر انه يعيش مع الأطفال مع البراءة والصفاء مع الصدق بعيداً عن العالم الموبوء بالأكاذيب والخداع ،حاولت الدخول إلى عالمه أكثر بعدما وثق بي أكثر وأحس أني أحسست بمستوى ألمه وواقعه المبكي ، في وطناً لا يكاد يمر يوم إلا وتسمع فيه فضيحة لسرقة تبلغ ملايين الدولارات من أناس يدعون الوطنية وحب الوطن والحقيقه انهم يضحكون على المخدوعين ، من يتخيل مستوى الشعور بالاختناق أن يعيش فنان بكل هذه الرقة في بيت مهمل وفي أزقة آسنة من أفقر أزقة منطقة الميدان ومع خمسة شباب محطمين يعمل أحدهم حمالاً والآخرين عمال بناء وممن يجمعون النفايات والعلب المعدنية المطمورة داخل أكوام النفايات ، يقتطع إيجار هذا المسكن الجحيمي نصف راتبه الشهري والباقي يقسمه على عدد أيام الشهر، الغرفة التي يسكن فيها لا تتجاوز مساحتها متران في متران ، كل الممتلكات فيها هي آلة ( العود ) .. راديو صغير ، نفاضة سجائر ، كتاب خاص بالنوتات الموسيقية ، كتب لأروع المؤلفين العالميين وأولهم جبران خليل جبران ، الأديب الروحاني والأروع على مدى عصور الأدب والحس المرهف، بعدما رأيت هذا البيت الفقير والغرفة الموحشة في الحي الآسن ، أخذني إلى عالمه الخاص و كلما مرت دقائق يقول لي (جملة) ...( هذا ما يصبرني على ظروفي الصعبة نعم الفن وحده وهذه أللألحان الساحرة والوجوه البسيطة والأنفس النقية)، أخذني إلى مشغل لصناعة أللآلات الموسيقية في عالم مختلف عن عالم مسكنه وجيرانه في حال لا يشبه في شيء عالمه الحقيقي الذي يستحق والذي تحتاج له روحه الشفافة وحسه المرهف ، فما أحوجنا اليوم إلى جبران جديد يفضح بقلمه الذي يعلم النفوس معنى الحياة الحقيقي ويفضح المتاجرين بالدين وحب الوطن كما فضح الكنيسة وسلطتها الجائرة ، يصدح بكل الأصوات التي تبكي بصمت لأن السلاطين تملك من الوحوش القادرة على تمزيق جسده النقي وتهشيم قلمه النابض بأجمل معاني الحياة ، ما أحوجنا لمن يطلق العنان للأرواح المضطهدة بمقدسات مخترعة ما أنزل الله بها من سلطان ، ما أحوجنا لكلمة حق عند ألف سلطان جائر ، ما أحوجنا للشرفاء وعراقيي الدم والشهامة ، ما أحوجنا لزعماء زهاد عن تفا هات الحياة وأصحاب ضمير ناطق يحس ويشعر بدموع الأيتام واهآت الحرمان لهذا الشعب المغدور من كل اتجاه ما أحوجنا لمن يحترم هذا العجوز وأن يخرج عن إطار الانتماءات على الأقل هو مخلص للعراق ما أحوجنا لمن يمنح هذا الفنان الذي يحمل في قلبه عنواناً جميلا وأصيلا للفن العراقي الأصيل بعيداً عن الأغاني التي تملأ الشوارع ضجيجا دون معنى ودون ذوق ، ويقول لهذا الشاب حبك للعراق يكفي وأنا أقف جنبك ومعك لتكون ويكون معك كل أصيل وكل ما يعود للوطن بصورته الزهية العبقة ومكانته الثقافية بين الشعوب والحضارات . Shamsalaasel2010@gmail.com المرصدنيوزلا تتحمل أيّة مسؤوليّة عن المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم وآرائهم وآفكارهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر .