وكالة المرصدنيوز للإعلام المستقل: ظاهرة الاستبداد في الشخصية العراقية ظاهرة الاستبداد في الشخصية العراقية ================================================================================ أبراهيم خليل الدجيلي on 08/ 10/ 2009 التي تصبح طبقا لهذا نسبية ومتغيرة من مجتمع الى اخر ومن انسان الى اخر، لذلك نجد الوردي ناقدا لاصحاب الحقيقة المطلقة، وساخرا من كل الافكار التأملية التي تغلب النظر على الممارسة كونها لا تنظر الى المجتمع بحركته واستمراريته بقدر ما تأخذ الفكر جاهزا ومعليا وتحاول اسقاطه على المجتمع، هذا لا يعني ان الوردي ضد القوانين، ولكنه ضد القوانين حينما تصدر من (الابراج العاجية) لان الواقع بتغيره يفرض قوانينه التي تتابع حركيته كونها نتاج هذه الحركية. ذهب الوردي نتيجة لذلك الى الاعتقاد بان الفكر التأملي والاستبداد صنوان لا يفترقان لان كلاهما يحافظ على الجمود والثبات ويعمل طبقا لمعتقداته الخاصة، لاطبقا لحاجة المجتمع، فالفيلسوف التأملي يعمل وفقا لارائه المثالية التي تصف البشر الى خاصة وعامة، والخاصة (الفلاسفة) هم الذين باستطاعتهم وبالفطرة فضلا عن قدرتهم العقلية ادارة المجتمع، والمستبدون يعملون وفق اعتقادهم بانهم خلفاء الله في الارض، فهم الذين باستطاعتهم حكم الناس، والحكم لا يكون على اساس ارادة المجتمع، بل على اساس الارادة الالهية التي شاءت ان يكون الحاكم حاكما، فالحكم قميص يلبسه الله لمن يشاء. وما كان الحكم في مجتمعنا حتى وقت قريب يسير بعيدا عن ذلك، بل طبق هذا الفهم بحذافيره، فالله حبا العراق بالقائد الملهم الضرورة الذي لا يخضع لقوانين الارض لانه ظل الله في ارضه والا كيف يمكن ان يكون الحكيم والمهلم والضرورة، وما الاعتراض على الحكم الا اعتراض على الارادة الالهية التي اختارته وكرمت الناس به!! وواجب المجتمع الطاعة على قاعدة (اطيعوا الله والرسول واولي الامر منكم). اذن الطابع الذي يؤطر الحكم في مجتمعاتنا العربية لاسيما في العراق هو طابع الحكم المستبد القائم على الخنوع من المجتمع والبطش به والذي يجعل القوة اداة للحكم، لانه عادة لم يات الى الحكم على اساس الكفاءة بل اما لتاريخه العائلي كونه سليل العائلة الحاكمة او عبر انقلاب دموي، وكلا الامرين لايقتضيان ان يكون الشعب مصدرا للسلطات. لذلك نجد الشعب نفسه قد تربى في ضوء نظام الغلبة هذا ولم يع اهمية الاختيار للسلطة الحاكمة، الامر لذي يجده الوردي من العقبات امام بناء العراق، لان الديمقراطية والتي يراها نظاما امثل لحكم العراق تقتضي ان يكون الشعب جزءا من السلطة، الامر الذي يدفع باتجاه بناء مجتمع حر وبناء علاقة متوازنة بين السلطة والشعب لان الشعب هو الذي اختار السلطة وهو الذي يتحمل مسؤولية اختياره. لكن التطبع على ظاهرة الاستبداد جعل الشخصية العراقية في كثير من مراحلها تسير باتجاه العنف بوصفه طريقاً للحل، وهذا برأي الوردي من بقايا القيم البدوية التي جعلت الغلبة الغنيمة من مقومات الشخصية القوية وهذه القيم تقوى حينما تضعف الدولة فكلما كانت الدولة ضعيفة لا تستطيع ان تحمي ارواح الناس واموالهم، نجد الناس مضطرين الى الالتجاء للقيم البدوية. تضعف هذه القيم حينما تقوى الدولة التي تمثل احدى قيم الحضارة. وحينما يبدأ الصراع بين قيم البداوة وقيم الحضارة يكون التوتر والقلق الذي يسم الشخصية العراقية، ولان تاريخها الحضاري عريق فانها برأي الوردي من الممكن ان تعي اهمية النظام الديمقراطي في التخلص من سطوة قيم البداوة.. وربما يكون اصرار العراقيين اليوم على المضي بالعملية الديمقراطية وذهابهم الى صناديق الانتخاب جزء من ايمانهم باهمية الدولة واهمية الحل الديمقراطي لمجتمع مثل العراق، لان الدولة لا تبنى بفئة واحدة واذا ارادت السلطة ان تكون متماسكة فعليها ان تكون ممثلة لكل ابناء الشعب، فالدولة برأي الوردي (تمنع التنازع بين الناس فتجعلهم ينسون عصبياتهم)ص27. السؤال الذي يتبادر للذهن اليوم وحين قراءة طروحات الوردي هذه، هو كيف يمكن ان يكون حال المجتمع اذا تاسست الدولة نتاج الحضارة على العصبية والقبلية التي هي نتاج البداوة؟! ربما بقراءة متأنية للوردي الذي يقول ان قيم البداوة تتصارع مع قيم الحضارة في داخل الشخصية العراقية، يحل هذا السؤال وكأن تشكيلنا للدولة اليوم بعد سقوطها يعيد تاكيد الوردي على ازدواجية الشخصية العراقية في ضوء قيم البداوة والحضارة، فهو (العراقي) في الوقت الذي امن به باهمية الحل الديمقراطي الا ان اختياره كان على اساس استنهاض روح الحمية الطائفية والقبلية والعرقية في المجتمع، تلك القيم البدوية الغائرة في اعماق الشخصية العراقية وهذا ما نجحوا به، فالبدوي بعبارة الوردة (يحب من صميم قلبه ان يكون غالبا لا مغلوبا) ص37 تهم الوسيلة بقدر ما تهم النتيجة هذه الغلبة تحققت عن طريق التمسك الشكلي والقولي بقيم الحضارة التي تقتضي اليوم الالتزام بالحل الديمقراطي، وكأن الديمقراطية اصبحت شعارا للغلبة، والغلبة كما يقول الوردي تدفع الى (التنازع والتباغض والقتال)ص46 وهذا ما دفع باعتقادنا نحو تطور نزعة العنف في المجتمع العراقي. بعد ان حاول المجتمع ان يحل مشكلاته المتفاقمة عن طريق صناديق الاقتراع وبعد ان وجد ان من اختارهم لم يكونوا على قدر الاختيار وانهم يسعون لتثبيت مواقعهم واحتلال المناصب السياسية العليا عبر الدفع باتجاه النزاع الطائفي، وجد المجتمع نفسه امام منحدر خطير، خطر الحرب الاهلية الذي كرسته نزعة البداوة المتاصلة عند النخب السياسية التي مثلته لذلك وجدنا المجتمع يستنجد للمطالبة بالمصالحة الوطنية، التي هي ليست مصالحة بين ابناء الشعب بقدر ما هي مصالحة وتوازن طائفي وعرقي بين النخب السياسية، وكأنها محاولة او سعي لاحلال التوازن بين قيم البداوة نفسها، فكما تستلزم قيم البداوة التغالب تستلزم الشهامة والاغاثة فيقول الوردي (من صفات البدوي ان يكون شهما وغياثا ويحمي حينما يطلب منه الاغاثة والحماية) ص39. ان استنهاض هذه القيم البدوية ضرورية لنا اليوم حتى لا يتوقف تيار الحياة في العراق اكثر من ذلك. في مقابل القوى السياسية الان في العراق، هناك قوى الملثمين المسلحين والميليشيات.. وهذه لا تعي معنى الحرية والديمقراطية واحترام الدولة والقانون، يقول الوردي (ان الحرية بمعناها الحضري لا يفهمها البدوي) انها تعني ان يكون الانسان حرا في اقواله وأفعاله ما لم يكن معتديا فيها على غيره.. (والبدوي ميال للاعتداء على حرية غيره ليظهر بها قوته وشجاعته)ص61 وهذا ما تفعله قوى الملثمين والمسلحين التي تفرض سطوتها في الشارع العراقي وتضع معاييرها الخاصة وتعتدي على حريات الاخرين باسم الدين والاسلام متناسين ان الرسول الكريم يقول: (اختلاف امتي رحمة) وكأنهم تجاوزوا الرسول بسلوكهم هذا لان من يعتقد براي ما، عليه كما يقول الوردي (الا يحاول ان يفرضه على غيره بالقوة ولا يدعي انه صاحب الحق المطلق)ص321. الهوامش: مأخوذة من كتاب الوردي: دراسة طبيعة المجتمع العراقي منشورات سعيد ابن الجبير - ايران 2005