شريط الاخبار

قضية انفصال كردستان

 

 الباحث العراقي \ صالج كاظم جبر

بدءً قضية التقسيم سواء للعراق او للمنطقة العربية ليس امراً وليد الساعة , فهي استراتيجية قديمة طرحت للنقاش في اكثر من مناسبة وحدث على طاولة صناع القرار الامريكان , وهي استراتيجية هادفة الى السيطرة على منطقة الشرق الاوسط  عامة وعلى المنطقة العربية خاصة , وقد تبناها واوجدها المحافظون الجدد في بداية التسعينيات ثم تبلورت شيئاً فشيئاً حتى اصدرت بعنوان ” الشرق الاوسط الجديد او الكبير ” في عام 2004 , وتستند تلك الاستراتيجية الى في جوهرها الى تفتيت المنطقة بدءاً بتفتيت كل قوة عسكرية او اقتصادية الى تفتيت القوة البشرية , هذه الاستراتيجية ترسخت لدى الذهنية الصهيونية منذ عقود طويلة لانها الحل الامثل لبقاء اسرائيل وديمومة قوتها وانفرادها بالقوة في المنطقة , فمتى ما ضعفت كل القوى الاقليمية المحيطة باسرائيل فان الاخيرة سوف تنعم بالاستقرار ويغادرها شعور الخوف والترقب لكل حدث.

والمتتبع للاحداث في منطقة الشرق الاوسط يلحظ ان تلك الاستراتيجية دخلت حيز التنفيذ ومن خلال عدة اليات لعل منها ماسمي “بثورات الربيع العربي” ثم لعبة تنظيم داعش التي ضربت بها القوة السورية والتي كانت تمثل اخر قوة عسكرية يمكن لها ان تسبب القلق لاسرائيل , بعد خروج القوة العراقية في عام 2003 من دائرة الخطر على امن اسرائيل , ويمكن عد ذلك تقدم ملحوظ لتنفيذ هذه الاستراتيجية او اجزاء منها , من ثم الانتقال الى تفتيت القوة البشرية للمنطقة وما قضية انفصال كردستان الا حلقة ضمن سلسلة سوف تشهدها دول المنطقة.

وبنظرة سريعة على كردستان واستفتائها الاخير , من السهولة ان يلحظ ان الاستفتاء غير دستوري بحسب دستور العراق , بمعنى معارضة الحكومة الاتحادية للاستفتاء والانفصال , كردستان منطقة جغرافية لا تملك ممراً مائياً وعادة ماتكون الدول التي تملك ممرات مائية ضعيفة وسهلة الانقياد والتبعية , اضف الى ان محيط كردستان عدائي او على اقل تقدير لا يصنف ضمن قائمة الحلفاء , واذا ما حاولنا القاء الضوء على مفردات قوة كردستان الذاتية , فسوف نصل لحقيقة افتقارها لمقومات الدولة التي تمكنها من تسيير امور دولة وشعب , فحتى حقول النفط تقع في كركوك والاخيرة هي منطقة نزاع بينها وبين الحكومة الاتحادية , وان كانت الان تسيطر تلك الحقول , ومن ثم يستلزم منها وقت ليس بالقليل لترتيب ضمها او المفاوضة عليها في اقل التقديرات , لا ننسى كذلك الرأي العام الدولي سواء من المنظمات الدولية او من قبل الدول الكبرى والذي يعارض قضية الانفصال.

كل ذلك يقودنا للتسأول : اذن على أي شيء يستند الاقليم لتعزيز قضية الانفصال؟

والحقيقة ان الوصول الى اجابة هذا التسؤال ليس بالامر اليسير ولكن اجمالاً يمكن ومن خلال بعض المعطيات ان نلمس بان القضية يمكن ان تكون باحدى السيناريوهات الاتية:

الاول: ان قضية الانفصال ما هي الا لعبة وخديعة القصد من وراءها الحصول على مكاسب اخرى غير المحددة للاقليم من الحكومة الاتحادية , المعروف ان عملية رفع سقف المطالب هو اسلوب للمفاوضة وكانت لهذه الحركة شواهد كثيرة شهدتها العلاقة بين الاقليم والمركز منذ 2003.

ثانياً: ان الاقليم وبعبارة ادق مسعود البرزاني قد عولَ على الدعم الاسرائيلي الذي ينظر له على انه كفيل بتسوية جميع الامور وازالة المعوقات امام قيام دولة كردية في شمال العراق , لما تملكه اسرائيل من اذرع قوة خصوصاً في توجيه السياسة الامريكية.

ثالثاُ: التعاطف الدولي: قد يكون الاقليم وضع بحساباته لعب ورقة القومية الكردية كأقلية وتسويق مثلاً المجازر والويلات التي عانى منها الشعب الكردي , لاستجلاب العطف الدولي ومن ثم الدعم لقضية الانفصال.

رابعاً: في عالم السياسة لا يمكن التعويل على مايصدره الاعلام وتتناقله وسائله , فالاعلام عادة ما يكون اداة طيعة بيد السياسات وعلى طول الخط وليس العكس , بعبارة اخرى ان المواقف الدولية الرافضة للانفصال تبقى مواقف خاضعة للتغيير والتبديل بأي وقت متى ما اقتضت المصلحة والضرورة التي تراها كل دولة من الدول , فليس هنالك في السياسة ثابت الا التغير المرتبط بالمصالح , ومن ثم فليس مستغرب او مستبعد ان تغير الدول من مواقفها الرافضة للانفصال .

  • اجراءات الحكومة الاتحادية

لكل دولة من دول العالم دستور ينظم لها الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية  ومنها العراق , ومن ثم فان تحركات أي حكومة في أي دولة يجب ان تكون ضمن أطر دستورها والا تفقد شرعيتها من قبل الشعب , لذا فحكومة العبادي يجب ان تكون اجراءاتها ضمن تلك الاطر لتفويت فرصة الطعن واستغلال تلك الثغرات الدستورية ضدها , ونرى انه للان ان حكومة العبادي تسير بهذا الاتجاه منها اصدار الاوامر بغلق المنافذ الجوية وقطع الرحلات من والى اربيل سواء الداخلية او الخارجية وضرورة تولي الجكومة الاتحداية عملية الاشراف على تلك المنافذ , وان كان التنفيذ بطيئاُ, لكنه دستوري , وللحكومة حق تجريد كل من اشترك بالاستفتاء من المناصب والمسؤوليات التي يشغلها , وغيرها من الاجراءات التي تملك الحكومة حرية اتخاذها.

اما بخصوص قضية كركوك وهي القضية الاساس فعلى الحكومة ان ترمي بثقلها في معالجة هذه القضية , فلابد من فرض سيطرتها على مدينة كركوك واستخدام كافة الوسائل الدستورية ومنها القوة العسكرية , فحقول كركوك وعوائد تلك الحقول هي عوائد مركزية لاينبغي لاي طائفة او قومية التفرد بها.

من جانب اخر على الحكومة ان تتعاطى مع المواقف الدولية بسياسة لا افراط ولا تفريط , بمعنى لا التعويل على تلك المواقف بدرجة كبيرة ولا تجاهلها جملة وتفصيلا للحفاظ وابراز سيادة العراق.

واخيرا لابد من ابقاء باب الحوار مع الاقليم مفتوحاً لكن بشروط المركز ومقرراته لا بشروط الاقليم.

  • رؤية استشرافية:

بحسب المعطيات المتاحة فان الاقليم امامه خياران:

الاول : الرجوع الى المركز ورفض نتائج الاستفتاء وتهدئة الامور وارجاعها الى ماكانت عليه قبل الاستفتاء بطريقة او باخرى تحفظ ماء الوجه لمسعود البرزاني امام جماهيره وتغليب الخطاب الوطني , ونرى ان التحالف السني يمكن ان يلعب الدور الابرز في هذا الخيار.

الثاني : الاصرار على موقفه وهنا سيكون لزاماً على الحكومة ان تتخذ سلسلة من الاجراءات منها ماذكر لفرض هيبة الدولة وسادتها خصوصاً وان تملك الشرعية الوطنية والدولية , مع توجيه المجتمع الدولي لعدم التعامل مع الاقليم , والذي برايي سوف يقود الى كارثة حقيقية بحق الاقليم , علماً ان هذا الخيار لا يؤثر على الاقليم فحسب وانما على الحكومة الاتحادية ايضاُ التي لا زالت تخوض معارك مع تنظيمات داعش الارهابية , الامر الذي من شأنه ان يمارس عليها بعض الابتزازات الداخلية او الخارجية وهو ما يصعب في تهاية الامر وضع استراتيجية سريعة للتعامل مع كل تلك الاطراف.

 

الباحث: صالح كاظم جبر

 




الأخبار العاجلة