واقع التعليم بالعراق

 

 
الكاتبة العراقية \ رفاه زاير جونه

مهنة التدريس من المهن التي تتطلب مرانا وتمرسا ومقدرة على التحمل لأن ظروف عمل المعلم أو المدرس يتعامل مع كائنات متغيرة ومتباينة ومتطورة ونامية ليس مع آلات ثابتة صماء. فكلما اعتقد المعلم أنه أكتسب مهارات كافية وعالية في عمله، كلما ظهرت له فئات أخرى من الطلاب أو التلاميذ ذوي احتياجات جديدة، الأمر الذي يتطلب منه مواكبة التطور وزجه في دورات تدريبية أخرى، من أجل اكتساب خبرات جديدة . ولأن التطور العلمي والتكنولوجي الحاصل في العالم استثمر بشكل إيجابي من قبل كافة دول العالم في تطوير عملية التعليم والتعلم لتلاميذ المدارس بكافة مراحلها حتى بات استخدام الوسائل التكنولوجية من البديهيات التي يجب أن تتوفر في المعلم إضافة إلى إسناد عملية التعلم بوسائل أخرى غير الكتاب المدرسي. للاطلاع على أحدث استراتيجيات التدريس وأهمية وسائل الإيضاح وتكنولوجيا المعلومات في عملية التعلم واكتساب المهارات ونمو شخصية التلميذ وتعزيزها إضافة إلى دروس في المواطنة وحقوق الإنسان وحقوق الطفل. وأن أهم أهداف العملية التربوية إعداد قادة للتدريب ليدربوا معلمي ومعلمات مديريات التربية على طرائق وأساليب التدريس الحديثة وينقلوا إليهم ما توصل إليه العالم في مجالات التربية والتعليم وأهمية ذلك في بناء المجتمع العراقي الجديد واستقراء أفكار المعلمين الذين يتم تدريبهم فيما بعد. ومن الضروري جدا أن اشخص أهم المعوقات التي تواجه المعلم وحده بل هنالك جهاز متكامل هو الجهاز التربوي الذي يلعب دوراً خطيراً في تربية أجيالنا ، وتوجيههم الوجهة الصحيحة ،وإشباعهم بالمفاهيم الديمقراطية ، بكل جوانبها تتطلب منا اليوم العمل وبأقصى سرعة ، وبكل ما نستطيع من جهد لمعالجة هذا الخلل الخطير في جهازنا التربوي إذا شئنا أن نخلق أجيالاً جديدة قادرة على التواصل مع العالم وسد الفجوة العلمية . ومن أجل تحقيق هذا الهدف الهام الذي نسعى إليه علينا أن نخطو خطوات مهمة وسريعة ومدروسة في نفس الوقت من اجل تلافي المزيد من الخسائر التي يمكن أن لا تحصل خاصة وإننا خسرنا بما فيه الكفاية. إن إدراكنا لعظم الرسالة التي يحملها المعلم، ومدى عمق التأثير الذي يحدثه في نفوس التلاميذ ،هذا التأثير الذي يحدد بدوره مستقبل الجيل الناشئ، وبالتالي مستقبل الأمة ، يفرض علينا أن نحدد الشروط الواجب توفرها فيمن يروم الانخراط في هذا المسلك ، وحمل هذه الرسالة بأمانة وإخلاص ، كي نستطيع أن نخلق جهازاً تربويا قادراً حقاً على أداء الرسالة . ويجب أن تتوفر عند المعلم الرغبة الصادقة والحقيقية لمهنة التعليم. وأن الإيمان برسالة المعلم والقدرة على حملها. كذلك الإيمان بالمثل الإنسانية العليا. والثقافة الواسعة. إن من المسلم به أن كل إنسان لا يمكنه أن يحقق نجاحاً تاماً في عمله ما لم تكن له الرغبة الكافية فيه ، لأن الرغبة عنصر حاسم في دفع المعلم إلى التتبع والدراسة ، بغية الوقوف على أحدث الأساليب التربوية من جهة ، والإخلاص في أداء الواجب من جهة أخرى . كما أن الاندفاع والرغبة تنعكسان بكل تأكيد على التلاميذ الذين يتولى تربيتهم وتعليمهم ، فتدفعه لتحضير مادة الدرس ،ووسائل الإيضاح اللازمة ،ويتعب نفسه من أجل إيصال المادة لهم ، ويهتم بالواجبات البيتية والصفية ،وتصحيحها ،وبذلك ينشّط التلاميذ، ويجعلهم يقبلون على الدرس بجد واشتياق . ولو أننا أمعنا النظر في جهاز التعليم بوضعه الحالي ،وكيف أقبل المعلمون على هذه المهنة ، وأجرينا إحصاءات دقيقاً بصدد الذين جاءوا لهذه المهنة عن طريق الرغبة لهان لنا الأمر ،وأدركنا أي خطر يهدد المدرسة ، وأدركنا أسباب الفشل الحقيقية فيها . إن معظم الطلاب الذين سدت في وجوههم أبواب الكليات قد وجدوا أنفسهم أمام الأمر الواقع الذي اضطرهم إلى اللجوء إلى الدورات التربوية ، ومعاهد المعلمين ذات السنة الدراسية ، والسنتين ،ودون رغبة منهم ، ليصبحوا بين عشية وضحاها معلمين تسلم لهم الرسالة وهم على مستوى من الضحالة لا تؤهلهم للقيام بها على الوجه الصحيح . غير أنه لا يمكن أن يكون هذا الحكم شاملاً ، فثمة آلاف من أولئك المعلمين قد اكتسبوا كفاءة مدهشة ،واستخدموها في تعاملهم مع مهنتهم وتلاميذهم ،واستطاعوا بجدارة أن يكونوا نموذجا جيد لصانعي الأجيال . إن عدم الرغبة ،والعزوف عن هذه المهنة له بالطبع عوامل ومسببات لابدَّ لنا من دراستها ،والوقوف عليها ومعالجتها ،وإذ ذاك نستطيع تهيئة الآلاف المؤلفة من المثقفين الشباب الذين سيندفعون إلى الانخراط بهذه المهنة المقدسة . خاصة وان نسبة كبيرة جدا من المعلمين ألان لا يمتلكون المهارات والكفايات المهنية التي تؤهلهم لهذه المهنة. وهذه الأطر تؤكد أن المعلم عليه أن يوجد الظروف التعليمية المناسبة لتلاميذه ويركز على العقل والروح والتفكير بكل أنواعه ويثير حوافز التلامذة ليساعدهم في البحث عن الحقيقة والوصول إليها كي يكون المثال الأعلى لهم. يتصور البعض ان رسالة المعلم هي ايصال المعلومات للتلامذة وتعليم التلامذة المهارات في القراءة والكتابة ولكن رسالة المعلم الحديث تقول ان من أهم واجبات المعلم (( تعليم التلميذ كيف يتعلم)) من هنا يمكننا أن نستنتج ان العملية التربوية التي كانت سائدة لدينا يكون محورها المعلم أما ألان فان عملية التعلم يكون محورها الرئيسي هو التلميذ وان مهام المعلم هو تنشيط المتعلمين وتحريك كل حواسهم واشراكها في كسب المهارات المطلوبة وعلى المعلم ان يضيف أهدافا جديدة للدرس تتمثل في بناء شخصية التلميذ وتوظيف المعرفة المكتسبة في صقل شخصيته. من هنا يتضح لنا ان رسالة المعلم تتمثل بأعداد مواطن صالح يميز بين الأشياء وبعبارة أدق ( مواطن مثقف) ومن البديهي ان المجتمع الذي يحتاج للطبيب والمهندس يحتاج أيضا إلى المهن الأخرى شريطة ان يمتلك صاحبها مؤهلات ثقافية تجعله يعرف كيف يتعامل مع الاخرين. وامتلاك الثقافة للآخرين من صلب واجبات المعلم وبالتأكيد فان المعلم الناجح هو الذي يجعل من الكتاب المدرسي احد مصادر التعلم وليس المصدر الأساسي والوحيد .من هنا يتضح لنا إننا في فترات وسنوات ماضية لم نرتكز على أسس صحيحة في اختيار من وكيف سيكون المعلم وربما اعتمدنا ضوابط غير تربوية في مجالات تربوية وهذا ما انعكس سلبا على الأداء والنتائج خاصة وان الإحصائيات والأرقام تشير إلى تدني واضح في مستوى التعلم في العراق ليس هنالك مستويات دولية أدنى منه وهذه حقيقة لا يمكن ألا أن نستنتج منها أن المعلم العراقي يحتاج إلى تطوير شامل وجذري.فما هي الحلول المطروحة؟ قبل أن نبحث عن الحلول لنرى معا ما هي مشاكل المعلم والمعوقات التي تحول بينه وبين تطبيقه لطرق التدريس الحديثة.
المعوقات والمشاكل
المعوقات هي مجموعة المشكلات أو الصعوبات الفنية والإدارية والمادية والإشرافية التي تحول دون استخدام المعلم لطرائق التدريس الحديثة في المواقف التعليمية المختلفة. وبما أن الموقف التعليمي يتطلب من المعلم أتباع أكثر من طريقة وأسلوب في الدرس الواحد فأن ثمة صعوبات تواجه المعلم وربما تكون صعوبات من نوع خاص قد لا تكون موجودة بالضرورة في كل مدارسنا ولكنها بالتأكيد موجودة في أغلبها. وأحاول الآن إيجازها على لسان عدد من المعلمين في مدارس مختلفة منها في الريف وأخرى في مراكز المدن.
1. كثرة أعداد التلامذة في الصف الواحد ويتجاوز عددهم ((50)) أحيانا
2. قلة الوسائل التعليمية الفعالة في المدارس وانعدامها في الكثير من المدارس الأخرى.
3. سوء توزيع الدروس على المعلمين من قبل إدارة المدرسة وخاصة في الصفوف الأولى إذ ان المعلم يعطى أوتوماتيكيا (( عربي + رياضيات )) رغم إنهما علمين لا رابط بينهما ، إضافة إلى سوء التوزيع هذا فأن الكثير من المعلمين والمعلمات يحرصون في هذه الصفوف على تنفيذ مفردات المنهج للغة العربية على حساب الرياضيات.
4. كثافة المنهج الدراسي يحول دون استخدام طرائق التدريس الحديثة إذ ان المعلم يلجأ إلى طريقة المحاضرة لغرض إكمال المنهج الدراسي.
5. قلة الدورات التطويرية للمعلمين ومن قبلهم لإدارات المدارس التي ينبغي لها ان تعرف طرائق التدريس الحديثة لكي تكون على علم ودراية بها وتسعى إلى تطبيقها وتوفير متطلباتها قدر الأمكان.
6. وقت الدرس البالغ ((40)) دقيقة غير كاف للتعلم من قبل التلميذ إضافة إلى ضغط الدوام ليصل إلى (6-7) حصص يوميا يجهد التلميذ في الصفوف المتقدمة من المرحلة الابتدائية، يجهده بالتحضير اليومي لخمس مواد على أقل تقدير بما يشتت فكره وتركيزه.
7.عدم رغبة المعلم في تطوير مهاراته وكفاياته المهنية لاعتقاده بأنه لا يحتاج إلى تطوير.
8. عدم إطلاع المعلم على مفردات المقرر الدراسي الذي يقوم بتدريسه والأهداف العامة والخاصة المطلوب تنفيذها من قبله وإيصالها للتلامذة.
9. ثقافة المعلم وإطلاعه الخارجي غير متكاملة وابتعاده عن التواصل مع مهنته بالشكل الذي يجعل الكثير من أعضاء الهيئة التعليمية لا يحملون أية ثقافة خارجية
10.غياب التواصل بين المعلم وولي الأمر.
11.عدم التفاؤل الموجود لدى بعض أعضاء الهيئات التعليمية حيال طرائق التدريس الحديثة ويمكن القول بأنهم غير قادرين على تغيير مفاهيمهم القديمة
12.رفض المعلم قيادة المجتمع في المرحلة الحالية والمراحل القادمة إذ كما يعلم الجميع ان القائد الوحيد في المجتمع هو المعلم وان الظروف في السنوات الماضية أجبرت المعلم على تسليم مقود قيادة المجتمع وبناءه لغيرة إلا ان الملاحظ ألان أن بعض المعلمين يرفضون تحمل هذه المسؤولية وهذا الرفض له أسبابه التي تتمحور في إننا لم نحسن اختيار من سيكون معلما وهذا ليس بذنبنا آنذاك بل الحاجة دفعتنا. تلك هي أهم المعوقات والمشاكل الميدانية التي تواجه العملية التربوية في العراق وليس المعلم وحده وإذا ما استطعنا تشخيص المعوقات نستطيع إيجاد الحلول المناسبة لها ومعالجتها بسرعة.
المقترحات
بما أننا توصلنا لمعرفة مشاكل المعلمين في المدرسة فان اقتراح الحلول المناسبة في ضوء ما توصلنا إليه تصبح عملية يسيرة خاصة وان البلد بإمكانياته المتوفرة قادر على النهوض بمستوى التعليم وندرج أدناه المقترحات لكل مشكلة:-كثرة إعداد التلاميذ في الصف : يمكننا التوسع في بناء صفوف جديدة وفق خطة شاملة لتوسيع بنايات المدارس وتحديد عدد التلامذة في الصف الواحد بمعدل لا يتجاوز (24) تلميذا. وانهاء الدوام المزدوج قدر الإمكان . قلة الوسائل التعليمية : بالإمكان تخصيص مبلغ معين من المال لكل مدرسة لشراء وسائل تعليمية تحددها مديرية الإشراف التربوي على ضوء مفردات المقرر الدراسي خاصة وان هذه الوسائل متوفرة وزهيدة الثمن. سوء توزيع الدروس : تثقيف إدارات المدارس على عدم تكليف معلم الصفوف الأولية بتدريس مادتين رئيسيتين مختلفتين خاصة وان ملاكات المدارس الآن فيها من الكوادر الكثير. المقرر الدراسي: ضرورة إعادة النظر ببعض المناهج والمقررات الدراسية المكثفة نوعا ما مثل الرياضيات والعلوم التي يعجز أحيانا معلم المادة من إكمال المنهج بسبب تقليص الدوام لخمسة أيام في الأسبوع وعدم إيجاد بديل ناجح لتعويض يوم السبت رغم تكثيف جدول الدروس اليومي الذي أرهق التلميذ والمعلم معا. وقت الدرس : ان طرائق التدريس الحديثة القائمة على الحوار والمناقشة والتعلم التعاوني تحتاج إلى وقت أكثر من (40) دقيقة لكي تتواصل الأفكار وتتبلور في أذهان التلامذة وبسبب ضغط الدروس اليومية وتقليص الدروس اللاصفية أصبح جدول التلميذ مرهق من ناحية التحضير اليومي الذي يتطلب تحضير مالا يقل عن (5) مواد دراسية مما يشتت فكر وتركيز التلميذ لذا بالا مكان دمج حصتين معا ويصبح الدرس(80) دقيقة متواصلة كأن تكون حصتي رياضيات معا وهكذا وهذا ما يوفر للتلميذ جهد تحضير (3) مواد دراسية يوميا. وبالإمكان تجريب ذلك بشكل حدود. أما الجانب الثاني من المشكلات والمعوقات والتي تخص المعلم وشخصيته فان المقترحات أدناه فيها من الحلول الكثير ومنها:-
الحلـــــــــول
1 تكثيف الدورات التطويرية للمعلمين وتطعيم المدارس وخاصة في مراكز الاقضية بالطاقات والكوادر الجديدة والشابة وإيجاد توازن فكري وعمري في ملاكات المدرسة الواحدة .
2 مطالبة كافة المعلمين بأعداد البحوث والدراسات حول المقررات الدراسية التي يقومون بتدريسها للتلامذة، وبالإمكان مطالبتهم بأعداد مناهج مماثلة
3 ضرورة أن تكون في كل مدرسة نشرة شهرية تكرس لإبراز المواهب والطاقات الموجودة لدى بعض أعضاء الهيئة التعليمية.
4 ضرورة وضع ضوابط تربوية في اختيار مديرو المدارس وإعادة النظر بالعناوين الموجودة ألان لان تطوير المدير وثقافته تؤدي إلى تطوير العملية التربوية برمتها. ولا يخفى على أحد الدور الكبير للمدير سلبا أو ايجابيا خاصة وان الكثير من إدارات المدارس تفتقر إلى التخطيط السليم . علينا جميعا أن نعترف أننا أمام مسؤولية كبيرة تتمثل في إعادة بناء وتكوين المجتمع العراقي الجديد هذا المجتمع الذي ظل فترة طويلة يرزح تحت مفاهيم وفلسفات مختلفة حولته مع مرور الزمن إلى مجتمع غير متماسك ومنها وإذا كان البعض يظن أن مشكلة العراق الآن هي إعادة بناء ما دمرته الحرب أو مجموعة الحروب المتتالية فأنه مخطئ فهذا الوطن لا يحتاج إلا لإعادة بناء المجتمع السليم والصحيح وفق فلسفة تربوية وأهداف تربوية صحيحة وسليمة والذي يقوم بهذه المهمة هو المعلم الذي تقع على عاتقه مسؤوليات جسام . ومن خلال قراءتنا للمعلم العراقي نجد انه بحاجة للكثير من الأمور التي تساعده في تنفيذ وإيصال رسالته بالشكل السليم والصحيح، ونحن على ثقة تامة بأنه أهل لها ونتمنى من الله العلي القدير أن يحفظ الجميع ويمكنهم من أداء رسالتهم السامية بما يرضي الله وضمائرهم .




الأخبار العاجلة